تحليل إخباري.. السيسي في «الاتحاد الإفريقي».. و«تحركات مقلقة» عند حوض النيل | تحيا مصر.نت تحيا مصر.نت

0
 الرئيس عبد الفتاح السيسي
ما كل هذه الأيادي التي تعبث بمصالح مصر في إفريقيا؟ سؤال مهم وضروري، لكنه
الأكثر أهمية منه هو كيف ولماذا سمحت مصر لتلك الأيادي أن تعبث في مصالحها؟
لكن، بقراءة سريعة للتاريخ نستطيع أن نقول إن ذلك هو النتيجة الطبيعية لبُعد القاهرة عن مجالها الحيوي في قارتها السمراء، بعد أن تركتها وأهملتها لسنوات، إما بسبب التخلي عن سياسة الدوائر التي كانت تمثل الخطوط العريضة للسياسة المصرية في الستينيات، وإما لأسباب تافهة مثل محاولة اغتيال رئيس مصري هناك، نتجت عنها قرار عبثي بإهمال القارة برمتها.
اليوم، سافر الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا للمشاركة في أعمال قمة "الاتحاد الإفريقي"، ومن المتوقع والطبيعي أن يعقد على هامش الاجتماعات الرسمية للقمة لقاءات مع قادة عدة دول إفريقية لاستكمال صد التحركات الإقليمية ضد القاهرة في منطقة حوض النيل، ولا سيما فيما يتعلق بالعض على يد القاهرة من بوابة سد النهضة الإثيوبي.
واستبق أبوبكر حفني سفير مصر في إثيوبيا، زيارة السيسي بالقول إن القاهرة وأديس أبابا "تمكنتا من تجاوز سحابة الصيف التي شهدتها العلاقات بين البلدين بعد اتهامات مسؤولين إثيوبيين لمصر دون وجه حق بدعم المعارضة، والاضطرابات التي شهدتها إثيوبيا الصيف الماضي".
وهذه كانت نقطة صعود في العلاقات المتوترة بين البلدين على خلفية بناء إثبوييا لسد يتوقع أن يؤثر على حصة مصر التاريخية من مياه النيل، إذ اتهمت أديس أبابا القاهرة بأنها وراء دعم جماعات معارضة لتقويض النظام الحاكم هناك لعرقلة مشروع سد النهضة، فيما نفت القاهرة ذلك على لسان الرئيس السيسي، الذي قال إن مصر دولة "لا تتآمر على أحد".
لكن تأزم الوضع في إفريقيا بالنسبة لمصر كان له بعد إقليمي بشكل كبير، تمثل صراحة في تحركات سعودية وتركية أقلقت القاهرة كثيرا، خصوصا فيما يتعلق بالرياض التي باتت العلاقات بينها وبين مصر في سوء متزايد.
ففي ديسمبر الماضي، زار أحمد الخطيب، مستشار ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز، على رأس وفد كبير، لسد النهضة في إثيوبيا، والتقى رئيس حكومتها ماريام ديسالين، وجرى الكلام عن "إنشاء لجنة مشتركة للتعاون في قطاع الطاقة، لإجراء دراسة فنية حول البدائل والطرق لإنتاج الكهرباء في إثيوبيا"، ما أقلق مصر بسبب ارتباط أهداف الزيارة المعلنة برغبة أديس أبابا في إنتاج الكهرباء من سد النهضة، الأمر الذي اُعتبر تحركا سعوديا ضد مصر يضرب في صلب أمنها القومي المرتبط تاريخيا بمياه النيل.
وتلامس ذلك مع الأزمة بين القاهرة والرياض والتي تصاعدت في شهر أكتوبر الماضي، على خلفية تصويت مصر لقرار روسي في مجلس الأمن مرتبط بسوريا، الأمر الذي كشف عن تباعد كبير كان متوقعا من فترة بين البلدين في التعامل مع القضايا الإقليمية مثل سوريا واليمن التي بدا أن مصر لم تتورط في الحرب عليها مع المملكة، وبالتالي جرى قراءة زيارة الوفد السعودي لإثيوبيا على أنها رد أو على الأقل "مكيدة" لمصر بعد مواقفها تجاه الرياض.
قبل أيام، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، العدو اللدود لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، في زيارة لعمق إفريقيا، شملت مدغشقر وموزمبيق وتنزانيا، والأخيرة ضمن دول حوض النيل، مصطحبا منه وفدا من شركات تركية تنوي البحث عن فرص للاستثمار في القارة السمراء.
ورغم أن أحد دوافع زيارة أردوغان كان طلب غلق مدارس المعارض التركي فتح الله جولن في تلك البلدان الإفريقية، إلا أن تحركات الرئيس التركي المتزايدة في القارة مؤخرا تنم عن رغبة منه في تمهيد مجال له في إفريقيا.
ولا يخفى على أحد أن تركيا أردوغان لن تفوت أي فرصة لتهديد مصالح مصر في دول حوض النيل، من منطلق عداءها لدولة ما بعد ثورة 30 يونيو 2013، فيما يمكن الحديث عن ترتيبات يجريها الرئيس التركي المدافع عن جماعة الإخوان لبحث إمكانية احتضان رموز وأنشطة الجماعة في دول إفريقية مسملة.
الآن، السيسي في إفريقيا، وبمناسبة التجمع القاري السنوي، سيكون على موعد مع رؤساء إثيوبيا وكينيا والكونغو برازفيل، لـ"بحث تعزيز علاقات مصر مع البلدين في مختلف العلاقات، بالإضافة إلى القضايا الإفريقية المدرجة على جدول أعمال القمة الأفريقية"، حسبما ذكر البيان الرسمي.
لكن قضية مثل سد النهضة أو تعزيز التواجد في القاهرة لن تغيب عن تلك الاجتماعات، خصوصا مع تصرفات سودانية في الآونة الأخيرة تخشى مصر من أن تكون عقبة في طريقها أيضا، مثل التقارب الشديد بين الخرطوم والسعودية، وزيارة الرئيس السوداني عمر حسن البشير للرياض، فيما اُعتبر بعدا سودانيا عن إيران، العدو اللدود للسعودية، لكنه يتلامس كذلك مع مصر في هذا التوقيت التي تتأزم فيه العلاقات بين القاهرة والمملكة.
ومن الملاحظ، أنه كلما تخرج العلاقات المصرية الإثيوبية من حفرة تقع في أخرى، فبعد تراجع اتهامات أديس أبابا للقاهرة بدعم جماعات "الأرومو" المعارضة، ظهرت اتهامات أخرى لمصر بالإيعاز لرئيس جنوب السودان سيلفا كير لدعم المتمردين في إثيوبيا لتقويض سد النهضة.
لكن جيمس مورجان، سفير جنوب السودان في أديس أبابا، صرح فيما يبدو نفيا لذلك الكلام، بقوله إن بلاده لن تكون سعيدة عندما ترى سد النهضة، وهو يتعرض للخطر من جانب أي طرف، بل زاد على ذلك قائلا: "نحن بحاجة للسد من أجل التنمية، ونهدف إلى استيراد الطاقة عندما يستكمل، وجنوب السودان لا يمكن أن تكون طرفا في زعزعة استقرار أثيوبيا".
وكان سيلفا كير زار القاهرة والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي في التاسع من يناير الجاري، فيما عد ردا من القاهرة على السودان الذي يقلق مصر بتصرفاته وعدم حديته الواضحة في دعم القاهرة بشأن ملف السد الإثيوبي.
لكن سفير مصر في إثيوبيا أبو بكر حنفي يعود ليبدي اطمئنانا على العلاقات مع أديس أبابا، اعتمادا على أن الأخيرة عينت مؤخرا تاييه أكسيلاس سفيرا لها في القاهرة، والرجل بحسب حنفي "وزير دولة سابق للخارجية الإثيوبية، وشخصية متزنة وصديق لمصر، ومتحمس للعلاقات المصرية الإثيوبية". 
كل ذلك دون الحديث عن تحركات دولة الاحتلال الإسرائيلي في إفريقيا وخصوصا في أديس أبابا، وهي تحركات متوقعة من عدو مباشر لمصر، إلا أنها تزيد من صداع مزمن للقاهرة في قارتها التي أهملتها بسبب سياسات قديمة.
وكانت مصر الستينيات، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر تعتبر إفريقيا أحدى دوائرها الثلاث بجانب العرب والمسلمين، وكانت القاهرة في تلك الفترة فاعلة وليست رادة للفعل، ومن الممكن القول إن مصر الآن تعيش على رصيد باقي من زمن عبد الناصر الذي كان يلقب بـ"أبو إفريقيا" لدعمه حركات التحرر الوطني ودعمه لسياسات التعليم والتنوير في القارة التي طالما عانت من الاستعمار والفقر والتخلف. 
وحاليا، سيكون على الرئيس عبد الفتاح السيسي بذل جهد دبلوماسي وسياسي وفير لتعويض كل ما فات مصر في هذه المنطقة الحيوية، إستراتيجيا وقاريا، خصوصا مع موقف دول حوض النيل الداعم لكن ذلك سيتطلب ذكاء بالغ للدبلوماسية وللأجهزة التي تتولى ذلك الملف، إذ أن كل الأطراف تتكالب على أكل لحم القاهرة في مجالها الحيوي الإفريقي، وحتى إذا جرى حل أزمة سد النهضة بشكل يرضي مصر، وذلك أمر حتمي لا تهاون فيه بما يمثله من مسألة حياة أو موت بالنسبة لمصر، "لا يمكن العبث بها"، كما ألزم السيسي نفسه في تصريحات أخيرة، لكننا يجب أن نتعلم من كل خطأ ارتكبته مصر تجاه إفريقيا، حتى لا نفاجأ بسد نهضة جديد، أو نفرح بحل المشكلة وننظر تحت أقدامنا الآن، متجاهلين ما تحمله الأيام دائما من جديد

إرسال تعليق

 
Top